محمد متولي الشعراوي
9156
تفسير الشعراوي
أي : حينما وصلوا إلى الماء ضربوا عنده خيامهم ، فساعةَ أنْ وصلوا إليه وضربوا عنده خيامهم لم يكونوا شَرِبوا منه ، أو أخذوا من مائه ، فمعنى الورود أي : الوصول إليه دون الشُّرب من مائه . وأصحاب هذه الرأي الذين يقولون { وَارِدُهَا } [ مريم : 71 ] أي : داخلها يستدلون كذلك بقوله تعالى : { ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً } [ مريم : 72 ] يقولون : لو أن الورود مجرد الوصول إلى موضع الماء دون الشرب منه أو الدخول فيه ما قال تعالى : { وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا } [ مريم : 72 ] ولِقَال : ثم يُنجِّي اللهُ الذين اتقوا ويُدخِل الظالمين . . لكن { وَّنَذَرُ الظالمين } [ مريم : 72 ] فيها الدليل على دخولهم جميعاً النار . فعلى الرأي الأول : الورود بمعنى رؤية النار دون دخولها ، تكون الحكمة منه أن الله تعالى يمتنُّ على عباده المؤمنين فيُريهم النار وتسعيرها ؛ ليعلموا فضل الله عليهم ، وماذا قدَّم لهم الإيمان بالله من النجاة من هذه النار ، كما قال تعالى : { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } [ آل عمران : 185 ] . ويمكن فَهْم الآية على المعنى الآخر : الورود بمعنى الدخول ؛ لأن الخالق سبحانه وتعالى خلق الأشياء ، وخلق لكل شيء طبيعةً تحكمه ، وهو سبحانه وحده القادر على تعطيل هذه الطبيعة وسلبها خصائصها . كما رأينا في قصة إبراهيم عليه السلام ، فيكون دخول المؤمنين النارَ كما حدث مع إبراهيم ، وجَعْلها الله تعالى عليه بَرْداً وسلاماً ، وقد مكَّنكم الله منه ، فألقوه في النار ، وهي على طبيعتها بقانون الإحراق فيها ، ولم يُنزِل مثلاً على النار مطراً يُطفِئها ليوفر لهم كل أسباب الإحراق ، ومع ذلك ينجيه منها لتكون المعجزة ماثلةً أمام أعينهم .